الصناعات الثقافية والإبداعية وقوة الصين الناعمة

الصين اليوم 2021-07-05

  أثناء الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، التي عقدت في الفترة من السادس والعشرين إلى التاسع والعشرين من شهر أكتوبر 2020، تم إقرار مقترحات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن صياغة الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والأهداف البعيدة المدى حتى عام 2035، والتي تمثلت في التالي: تحقيق اختراق كبير في التكنولوجيا الأساسية، وتحقيق التصنيع الجديد والمعلوماتية والتحول الحضري وتحديث الزراعة، وتحقيق التحديث الأساسي في منظومة إدارة الدولة، ورفع مستوى المواطنين والحضارة الاجتماعية، وزيادة القوة الناعمة الثقافية للبلاد بشكل ملحوظ، وبلورة طرق إنتاجية ومعيشية صديقة للبيئة، وتحقيق أهداف بناء الصين الجميلة بشكل أساسي، وتشكيل نمط جديد للانفتاح على الخارج، وبلوغ مستوى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى الدول المتوسطة التقدم، وتقليص الفجوة في التنمية، وتحقيق تقدم جوهري بارز في التطوير الشامل للأفراد، والرفاه المشترك لكافة أبناء الشعب.

  وفيما يتعلق بالهدف الخاص بزيادة القوى الناعمة للبلاد، كهدف طويل المدى حتى 2035، فعلى مدار العقود الأخيرة، وإضافة إلى ما تحقق من مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أولت الحكومة الصينية وبصورة تدريجية اهتماما بالغا بتطوير قوتها الناعمة عبر العديد من الجوانب، ومن بينها الاهتمام بتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية والتي تطورت بشكل غير مسبوق لتحتل الصين مكانة هامة دوليا في هذا المجال، لتصبح الدولة الأولى على مستوى العالم من حيث تصدير الصناعات الثقافية والإبداعية.

  خطط متتالية للارتقاء بالصناعات الثقافية والإبداعية

  أولت الدولة اهتماما بهذا القطاع منذ أكثر من عقدين، بالتركيز على ربطه بخططها التنموية، وهو ما بدأ مع الخطة الخمسية العاشرة (2001- 2005)، والتي أكدت على الدور الهام للصناعات الثقافية والإبداعية المملوكة للدولة كمهيمن في هذا القطاع، فكان التركيز منصبّا على تلك الصناعات المملوكة للدولة. إلا أنه مع الخطة الخمسية الحادية عشرة (2006- 2010)، بدأ القطاع غير الحكومي يدخل هذا المجال جنبا إلى جنب مع القطاع الحكومي. بحيث أصبح يُشارك بدور هام في تطوير البنية التحتية الثقافية في البلاد. وذلك في ظل الطبيعة المميزة لهذا القطاع.

  في سبتمبر 2009، وافق مجلس الدولة الصيني على أول خطة في البلاد تتعلق بالصناعات الثقافية والتي أُطلق عليها "خطة نهضة الصناعات الثقافية". تم وضع خطة إستراتيجية وطنية لهذا القطاع، أكدت على أهميته ودوره المحوري اقتصاديا. وقد نصت الخطة على أن الدولة ستدفع وتعزز الجهود المبذولة في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية بجوانبه المختلفة والتي تشمل الرسوم المتحركة وصناعة السينما والمعارض الثقافية والنشر والتوزيع والمسلسلات التلفزيونية وغيرها. ومع الخطة الخمسية الثانية عشرة (2011- 2015)، تحققت نقلة هامة في هذا الشأن، وتمثلت في العمل على الربط بين الصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد من جهة وما حققته البلاد من تنمية اقتصادية واجتماعية من جهة أخرى، فعلى مدار العقود الأربعة الماضية حققت الصين معدلات نمو للناتج المحلي الإجمالي بلغت حوالي 9% في المتوسط سنويا. في تلك الفترة، لم يعد المستهدف هو الداخل الصيني فحسب، وإنما صار الهدف هو المنافسة عالميا. ولهذا الغرض، سعت البلاد إلى تعزيز البنية التحتية للصناعات الثقافية من خلال دعم المشروعات الثقافية الرائدة الصغيرة والمتوسطة، وتطوير البيئة التشريعية والإدارية الداعمة لهذا المجال، من خلال تطوير قوانين حماية الملكية الفكرية، إضافة إلى ضخ استثمارات هامة في تطوير المتاحف الكبرى والحدائق التاريخية والمواقع التاريخية الهامة وغيرها، بما يعزز من مكانة الصين في هذه الصناعة عالميا.

  في عام 2014، وضع مجلس الدولة الصيني، مجموعة من المقترحات للمشاركة في دفع عجلة التنمية لدمج الصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصاد المحلي، لكي تصبح جزءا من الاقتصاد الحقيقي. توافق ذلك مع النمط الجديد للنمو الاقتصادي في الصين الذي يقوم على تحفيز الاستهلاك وجعله القوة المحركة الأساسية للنمو الاقتصادي، خاصة وأن تنمية تلك الصناعات من شأنه زيادة حجم الاستهلاك. خلال الفترة من عام 2011 حتى عام 2014، زاد متوسط الإنفاق الثقافي للفرد في الصين بنسبة أكثر من 12%، وفقا لمسح أجرته مصلحة الدولة للإحصاء.

  في فترة الخطة الخمسية الثالثة عشرة (2016- 2020)، أكدت الصين على أن الصناعات الثقافية تُعًدُّ ركيزة للاقتصاد الوطني ونقطة نمو اقتصادي جديدة، بهدف الارتقاء بهيكل الصناعات.

  وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد الصين على تلك الصناعات كنقطة نمو جديدة، يأتي في وقت تتسم فيه تلك الصناعات بالعديد من المزايا الهامة، من بينها كونها صناعات صديقة للبيئة اعتمادها على الموارد المادية محدود، إضافة إلى قدرتها على توليد فرص عمل وتحقيق نمو اقتصادي وقدرة عالية على الابتكار والإبداع. لقد باتت الثقافة أحد عناصر القوة الشاملة للدولة وأضافت أبعادا هامة لقوة الدولة الناعمة، وأصبحت عنصرا رئيسيا من عناصر قدراتها التنافسية خارجيا.

  حجم الصناعات الثقافية والإبداعية في الصين

  التركيز على تضمين تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية ضمن خطط التنمية الخمسية، يعكس التأكيد على أنه ملف له طبيعة إستراتيجية يحظى باهتمام الدولة، خاصة في ظل ما صاحب ذلك من مجموعة من الإجراءات التشريعية والإدارية. وقد انعكست تلك الجهود على تلك الصناعة بشكل كبير، وهو ما تؤكده العديد من المؤشرات. فبحلول النصف الأول من عام 2020، بلغ عدد المؤسسات الثقافية في الصين نحو 59 ألف مؤسسة مقارنة مع خمسين ألف مؤسسة في عام 2016، بزيادة بلغت نسبتها 18%. كما زاد عدد المجمعات الثقافية في الصين، فبلغ عددها أكثر من 2600 مجمع صناعي ثقافي.

  ويُشكل قطاع السينما أحد القطاعات الثقافية الهامة في هذا الشأن. في عام 2019، أنتجت الصين 850 فيلما روائيا، وبلغ عدد شاشات السينما في البلاد 69787 شاشة، وبلغ عدد رواد دور السينما في الصين نحو مليار وسبعمائة مليون مشاهد، وحقق قطاع السينما إيرادات من شباك التذاكر بلغت 266ر64 مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 5ر6 يوانات حاليا)، من بينها 175ر41 مليار يوان للأفلام المحلية، بنسبة 07ر64% من الإجمالي الإيرادات.

  الاهتمام بالصناعات الثقافية والإبداعية في البلاد انعكس أيضا على زيادة عدد السائحين، سواء بالنسبة للسياحة الداخلية أو الخارجية. حسب صحيفة ((الشعب اليومية)) الصينية في 11 مارس 2020، فإنه في عام 2019، بلغ حجم السياحة الداخلية في الصين 006ر6 مليارات شخص/ مرة، بزيادة بلغت نسبتها 4ر8% على أساس سنوي؛ وبلغ عدد السياح الذين دخلوا إلى الصين وخرجوا منها ثلاثمائة مليون شخص/ مرة، بزيادة بلغت نسبتها 1ر3% على أساس سنوي؛ وبلغ إجمالي إيرادات السياحة في نفس العام 63ر6 تريليونات يوان، بزيادة بلغت نسبتها 11% على أساس سنوي؛ وبلغت المساهمة الشاملة للسياحة في الناتج المحلي الإجمالي 94ر10 تريليونات يوان، بنسبة 05ر11%.

  كان من المنطقي أن ينعكس هذا على مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي، والتي بلغت في عام 2015 نحو 7ر2 تريليون يوان، ثم زادت إلى 1ر4 تريليونات يوان في عام 2018، بزيادة بلغت نسبتها 9ر51%، مع ملاحظة أن الناتج المحلي الإجمالي للصين بلغ 0309ر90 تريليون يوان في عام 2018، وبذلك بلغت نسبة مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام 48ر4%. هذه المساهمة المرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي للصناعات الثقافية، جاءت نتيجة للاستثمار الهام الذي تم في هذا القطاع، وقادت أيضا إلى زيادة الاستثمار في القطاع الثقافي والذي نما بشكل كبير مما انعكس على تطور القطاعات الثقافية ونموها بشكل غير مسبوق.

  وتُشير التحليلات إلى أن هناك عوامل هامة عززت من نمو هذا القطاع في الصين، تمثلت في نجاح البلاد في تحقيق مستوى هام من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى وجود طبقة متوسطة حضرية لها دور هام في زيادة الطلب على تلك الصناعات، فتُشير بعض المصادر إلى أن المجال الثقافي والإبداعي يُشكل ما يزيد على 7% من إنفاق الأسرة الصينية.

  الصناعات الثقافية والإبداعية والتطور التكنولوجي

  خلال العقد الأول من الألفية، تضاعف حجم الصناعات الثقافية والإبداعية في الصين نحو 60 مرة مستفيدا مما وفرته الثورة التكنولوجية من مزايا هامة لهذا القطاع. ومؤخرا بدأت العديد من شركات الإنترنت في الانخراط بشكل كبير في مجال الصناعات الثقافية، ومن أبرزها شركات علي بابا وبايدو وتنسنت، وغيرها. كما بدأت تظهر مجموعة من المنصات ذات الصبغة الفكرية والثقافية لربط منتجي ومستهلكي هذا النوع من الصناعات الثقافية، ومن بينها منصة الأدب الصيني (https://ir.yuewen.com/en/index.html)، والتي تضم تسعة ملايين كاتب وثلاثة عشر مليونا وتسعمائة ألف عمل أدبي، و8ر228 مليون مستخدم نشيط شهريا، كما يُصنف المحتوى الموجود بها على أكثر من 200 فئة.

  الصناعات الثقافية والإبداعية والقوة الناعمة للصين

  نظرا لما يُمثله هذا القطاع من أهمية بالغة للاقتصاد العالمي، أعلنت الأمم المتحدة أن عام 2021 هو "السنة الدولية للاقتصاد الإبداعي من أجل التنمية المستدامة"، وذلك للتأكيد على وجود ارتباط قوي بين الصناعات الثقافية والإبداعية وتحقيق التنمية المستدامة، برغم التحديات التي فرضتها جائحة كوفيد- 19 على هذا القطاع.

  وقد نجحت الصين في تطوير مفهومها الخاص للصناعات الثقافية والإبداعية، لتتحول الأخيرة إلى صناعة اقتصادية ذات مردود اقتصادي وتأثير إيجابي على القوة الناعمة للدولة. وهو ما أسهم في تعزيز مكانة الصين عالميا في هذا القطاع، بحيث أصبحت الصين، إضافة إلى دورها الاقتصادي الهام على المستوى العالمي، مهيمنة في مجال الاقتصاد الإبداعي إقليميا وعالميا.

  ووفقا للأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية)، شهدت تجارة الصين في السلع الإبداعية في الفترة من 2002 إلى 2015 زيادة كبيرة بمتوسط نمو سنوي بلغ 14%، في حين أن المعدل في الدول النامية الأخرى بلغ خلال ذات الفترة 5%. في عام 2002، بلغ حجم تجارة الصين الخارجية في السلع الثقافية والإبداعية 32 مليار دولار أمريكي، وبحلول عام 2014 بلغ الرقم 4ر191 مليار دولار أمريكي، لكنه تراجع في العام التالي ليبلغ 5ر168 مليار دولار أمريكي. في عام 2002، بلغت قيمة التجارة في الصناعات الإبداعية والثقافية للاقتصادات النامية الأخرى 3ر52 مليار دولار أمريكي، وفي عام 2015 بلغت 5ر96 مليار دولار أمريكي، مما يعني أن متوسط نمو تجارة السلع الإبداعية في الدول النامية خلال الفترة من عام 2002 حتى عام 2015 بلغ 5ر84%، في حين أنه قد بلغ في الصين خلال ذات الفترة 5ر426%.

  وفقا للأونكتاد، تحتل الصين المرتبة الأولى عالميا بين الدول المصدرة للسلع الثقافية والإبداعية، ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية ثم فرنسا. في عام 2015، جاءت الصين في الترتيب الثامن عالميا من بين أعلى الدول المستوردة للسلع الثقافية والإبداعية على مستوى العالم، والترتيب الأول من بين أكبر عشر دول مصدرة للحرف الفنية على مستوى العالم، كما جاءت في الترتيب الرابع عالميا من حيث تصدير الفنون البصرية على مستوى العالم بعد كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

  وفقا لتقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، فإنه في عام 2013، كان حجم صادرات الصين الثقافية نحو 60 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل 2ر8% من إجمالي الصادرات الثقافية على مستوى العالم. وفي العام ذاته بلغت الواردات الصينية من هذه الصناعة 84ر5 مليارات دولار أمريكي، وهو ما يعادل 5ر3% من إجمالي الواردات على مستوى العالم. وقد جاءت الفنون والأعمال المرئية ومنتجات وسائل الإعلام المرئية في مقدمة الصادرات الصينية.

  هذا التطور الكبير في تجارة الصين الخارجية في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، انعكس على قوتها الناعمة بشكل كبير. وفقا لمؤشر القوى الناعمة العالمية لعام 2020، جاءت الصين في الترتيب الخامس عالميا، بعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان. كما جاءت في الترتيب الثامن عالميا في مؤشر العام التالي. ويقيس المؤشر سبعة عناصر هي: الإعلام، والتعليم والعلوم، والثقافة والتراث، والعلاقات الدولية، والحوكمة، والتجارة والاستثمار، وقيم الشعوب. وبذلك تتضح أهمية هذا القطاع ضمن مكونات المؤشر. ومع جائحة كوفيد- 19، تمت إضافة عنصر ثامن متعلق بالاستجابة للجائحة.

  عززت الصين من قوتها الناعمة اعتمادا على العديد من الجوانب الثقافية والإبداعية، مستفيدة من التطورات التي تمت على مدار العقود الماضية في هذا المجال، إضافة إلى ما قدمته من نموذج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد أسهم نجاح الصين، على مدار الأربعة عقود الماضية، في تحقيق مستويات هامة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في خلق بيئة مواتية لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية لتحتل مكانة هامة عالميا. وقد وضعت الحكومات الصينية هذا الهدف ضمن أولويات أجندتها التنموية بحيث لم يحدث انفصال بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد من جهة والتنمية الثقافية من جهة أخرى. ورغم التراجع الذي صاحب جائحة كوفيد- 19 وأثر على هذا القطاع شأنه شأن كافة القطاعات الاقتصادية في العالم، فمن المتوقع أن تزداد مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصاد الصيني وحصتها من التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التوسع في الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، والدور التنموي الهام الذي أصبحت تقوم به تلك الصناعة.

  --

  د. خديجة عرفة، باحثة في العلاقات الدولية من مصر.

Appendix:

جميع الحقوق محفوظة لدي منتدي التعاون الصينى العربي

الاتصال بنا العنوان : رقم 2 الشارع الجنوبي , تشاو يانغ من , حي تشاو يانغ , مدينة بجين رقم البريد : 100701 رقم التليفون : 65964265-10-86